محمد أبو زهرة

1157

زهرة التفاسير

ولما ذا ذكر سبحانه وتعالى كلمة بِغَيْرِ حَقٍّ مع أن قتل الأنبياء لا يمكن أن يكون بحق أبدا ؟ والجواب عن ذلك أن هذا تصريح بموضع الاستنكار ، فموضع الاستنكار اعتداؤهم على الحق بالاعتداء على النبيين ، وللإشارة إلى أنهم بما طمس اللّه على بصائرهم صاروا أعداء للحق لا يألفونه ، ولا يريدونه ولا يخلصون في طلبه . وذكر سبحانه كلمة الحق بصيغة التنكير فقال بِغَيْرِ حَقٍّ لعموم النفي ، بحيث يشمل الحق الثابت ، والحق المزعوم ، والحق الموهوم ، أي لم يكونوا معذورين بأي نوع من أنواع العذر في هذا الاعتداء ، فلم يعتقدوا أنه الحق ، ولم يزعموه ، ولم يتوهموه ، بل فعلوا ما فعلوا وهم يعلمون أنهم على الباطل ، فكان فعلهم إجراما في باعثه ، وإجراما في حقيقته ، وأبلغ الإجرام في موضوعه . هذا قتل الأنبياء ، وهو أفظع جرم في هذا الوجود ، ويليه ومن جنسه قتل الدعاة إلى الحق ، والقسط الذي هو الميزان في كل شئ ، فإن قتل هؤلاء كقتل النبيين منشؤه صمم الآذان عن سماع الحق ، وإعراض القلوب ، والتململ من أهل الحق والتبرم بهم . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ، بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ، ولا ينهون عن المنكر ، بئس القوم قوم يمشى المؤمن بينهم بالتقية » « 1 » ! وروى أن أبا عبيدة عامر بن الجراح سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أي الناس أشد عذابا يوم القيامة ؟ فقال الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « رجل قتل نبيا ، أو من أمر بمعروف ونهى عن المنكر » « 2 » .

--> ( 1 ) ذكره القرطبي في تفسيره وقال روي عن ابن مسعود قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس » وذكره بتمامه . [ تفسير القرطبي : سورة آل عمران ( 21 ) ] . وفي كنز العمال ( 5583 ) . ( 2 ) رواه الإمام أحمد ( 3674 ) في مسنده عن عبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه . وراجع الدر المنثور - ج 2 ص 13 .